الخميس، 10 أغسطس 2017

ملف المحجوب



«المحجوب قتله ذكاؤه»

فى صباح الجمعة الموافق 12 أكتوبر عام 1990 اغتالته 8 رصاصات من بين أكثر من 450 طلقة قتلت كل من كان معه بداية من سائقه كمال عبدالمطلب والمقدم عمرو سعد الشربيني وموظف مجلس الشعب عبدالعال عليط.
المعلومات أكدت أن «المحجوب» كان يملك خزانة مستندات تدين تعاملات «مبارك» المالية حيث حصل من علوي حافظ علي نسخة أصلية منها حول شركة السلاح التي ساهم بها مبارك وأنه رفض رد المستندات لصفوت الشريف عندما طالبه بها.
والمؤكد أن «المحجوب» مع أنه لم ينتخب من الشعب وكان من ضمن العشرة المعينين بالمجلس بقرار حسني مبارك لكنه كان أول من واجه فكرة الخصخصة في مهدها بعد أن ولدت علي يد وزير السياحة الأسبق فؤاد سلطان وتحديدا في جلسة بشهر فبراير 1988 ونشبت بينه وبين سلطان مشادة حامية تحت قبة البرلمان بسبب هدم وبيع أرض فندق سان ستيفانو في الاسكندرية وسجلت المضبطة كلام المحجوب عندما قال: «النهارده هنسمح ببيع الفنادق وبكره نسمح ببيع المصانع والشركات والمستشفيات.. لابد أن هناك من يقف وراء هذه الفكرة الشيطانية» «مبارك» جن جنونه عندما وصله الخبر بالتليفون لنكتشف حقيقة تاريخية جديدة نضيفها في السجلات وهي أن وزير الإعلام وقتها صفوت الشريف كان في تلك الأيام التي لم تكن تكنولوجيا الاتصالات قد غطتها بعد في كل جلسة مهمة يحضر لمجلس الشعب ولا يجلس في القاعة بل في غرفة مجاورة لها أثناء نظر الاستجوابات والمناقشات التي كان يحددها له «مبارك» وكان يقوم بالاتصال به، حيث كان الأخير يخلي وقته من أي التزامات ليكون علي تنصت مباشر علي ما يدور بالمجلس حيث كان «الشريف» عندها يلعب دورًا يشبه دور مذيع مباريات الدوري ينقل ما يدور من كلام متبادل بين الأعضاء والمنصة وفي المنتصف يدلي بآرائه التي قتلت البعض أحيانا سواء سياسيا أو فعليا، كما حدث مع «المحجوب».
واقعة أخري كان فيها «الشريف» هو المحرض الأوحد علي «المحجوب» وهي الجلسة الشهيرة في 5 مارس 1990 عندما فجر عضو مجلس الشعب الشجاع الراحل علوي حافظ قضية تورط «مبارك»» وحسين سالم ومنير ثابت واللواء عبدالحليم أبوغزالة في قضية السلاح وشركة الأجنحة البيضاء والتلاعب بالمعونات حيث كان «الشريف» في الغرفة المجاورة ينقل ما يحدث أولا بأول حتي أنه في مرحلة ما سجل في ورقة صغيرة تعليمات «مبارك» وخرج من الغرفة ونادي علي موظف المنصة ليمرر التعليمات ل«المحجوب»، فقرر الأخير بناء علي تعليمات «المخلوع» شطب كل الأسماء التي ذكرها «حافظ» حتي لا تكون دليلاً علي ما حدث ولا يمكن لأحد استخدامها بعد ذلك في رفع القضايا.
«
مبارك» كان لا يحب «المحجوب» ويكن له كراهية شديدة مثلما أكد قائد حرس مبارك نفسه اللواء عبدالرحمن العدوي نائب مدير أمن الرئاسة في الفترة من عام 1980 حتي 1990 وهو المسئول الأول عن تأمين مبارك وحارسه الشخصي وقائد قسم مكافحة الإرهاب بمؤسسة الرئاسة ففي شهادته علي التاريخ قال: «مبارك» كان يكره «المحجوب» بل كان يخاف منه بسبب كونه رجلاً مستقيمًا له فكره ورأيه ويعرف كيف يدير منصة مجلس الشعب ولم يحب مبارك أي سياسي مصري في عمره لأنه لم يكن يحب غير نفسه.
وكان «المحجوب» الذي ولد في مدينة الزرقا بمحافظة دمياط 23 أبريل 1926 أول من اخترع عبارة (المجلس سيد قراره) وعبارة (القطط السمان) التي جعلت «مبارك» يغضب بشدة مرة أخري عندما سمعها حيث سأل «الشريف» الذي نقلها له علي الهواء: «هل يقصدنا ابن ال...»؟! فأجاب صفوت بكل هدوء: «آسف يافندم لكنه تقريبا يقصدنا».
واقعة أخري ذكرها الصحفي رائد العطار في موضوع نشره في صحيفة النور حيث كان قد شهد وقائعها ربما كانت الفارقة أو القشة التي حددت مصير «المحجوب» في عام 1990، ففي أثناء زيارة كان يقوم بها «مبارك» لبغداد لبحث مشكلة الكويت والعراق في بداياتها وخلال حديثه مع صدام حسين أشار «مبارك» علي الرئيس العراقي بضرورة تهدئة المنطقة فنظر إليه «صدام» نظرة شك وأخبره بأن في مصر من يطالب بزعيم حقيقي للعرب لا يطالب بالتهدئة بل ليقود الأمة، فسأله «مبارك» باهتمام شديد: «من هو؟»، عندها تشهد الوقائع المؤكدة أن «صدام» ضغط علي تشغيل تسجيل كان أمامه ليسمع «مبارك» المحجوب وهو في لقاء مع صدام ويقول للأخير: «المنطقة تحتاج زعيماً يملأ مكان الرئيس جمال عبدالناصر ويلم شمل العرب وأن هذا الرئيس هو أنت.. قاصدا صدام حسين».
«
مبارك» جن جنونه مرة أخري وأنهي صدام الجلسة وصمم علي الانتقام من المحجوب بأي شكل وزاد حقده بعد عودته للقاهرة حيث كان من المفترض أن يلقي خطبة في مجلس الشعب فاتصل به الدكتور مصطفي الفقي وأخبره بأن المحجوب سيلقي خطبته قبل خطبة مبارك، وأكمل الفقي بقوله ناصحًا مبارك: المعروف عن المحجوب أن خطبته جميلة ومؤثرة وبالتأكيد ستكون مختلفة عن خطبة سيادتك، مبارك قال ل«الفقي» كما شهد الأخير: «ماشي يا عم المفتي»، وأغلق السماعة لكنه عاد بعد دقيقتين وأمر الفقي بأن يبلغ المحجوب بألا تزيد خطبته علي أربع دقائق فقط وتجاهل رئيس المجلس أمر مبارك فاستشاط الأخير غضبا.
لقد فجرت التحقيقات والمحاكمات في قضية اغتيال المحجوب معلومات شديدة في الغرابة يمكننا أن نعتبرها بدون أي تجنٍ معلومات عن مؤامرة ما وقعت للقضاء وبمطالعة شهادة الرائد محمد بركات ضابط أمن الدولة الذي شارك في القبض علي المتهمين حيث شهد في المحاكمة بأن جهة ما لا يعلمها هي التي كانت تقبض علي المتهمين، بينما اقتصر دور الداخلية علي تأمين عمليات القبض ولم يتمكن الضابط من تحديد هوية تلك الجهات عندما سأله عدة مرات قاضي المحكمة المستشار الدكتور وحيد محمود إبراهيم.
أما الثابت فإن المحجوب قد شهد بزوغ فجر العلاقات السرية المفتوحة علي إسرائيل والمثير أنه كان أول من واجه سرطان رجل الأعمال حسين سالم حتي قبل أن يتعرف عليه أحد.
والتاريخ يشهد بذلك فقد كانت هناك مواجهة أخري تعرفها العائلة، حيث اعترض المحجوب بشدة علي ما كان يصله من أسرار تلك العلاقات المشبوهة ورفض عدة مرات حضور لقاءات سرية بينه وبين الإسرائيليين بل وهدد رجال مبارك ومنهم زكريا عزمي بأنه سيفضح تلك العلاقات للصحف وساعتها قال له عزمي: «خلي مخك كبير الريس بيثق فيك خليك علي هواه ومفيش حاجة هتضرك»، حيث حكي الدكتور المحجوب لشقيقته سهير وقال لها: «عايزين يكسروا تاريخ عبدالناصر والسادات ويبيعوا البلد لليهود» بعدها كانت حالته النفسية سيئة بل أطلق ذقناً خفيفة في توقيت ما الشيئ الذي جعل مبارك يهدده مباشرة قائلاً له: «أبقي في حالك».
ويذكرالتاريخ أن يوم مقتل المحجوب كان موعد الإعلان عن الاستفتاء علي حل مجلس الشعب والتمهيد لانتخابات جديدة كانت ستأتي به رئيسا للمجلس لثالث مرة فكان سيقف لمبارك ومن معه كعقبة لتجمد كل مشروعاتهم المشبوهة، بل الأخطر من ذلك هو ما تكشفه أسرته عندما أكدت أنه كان قد عين نائبا لرئيس الجمهورية وأنه كان حزيناً لهذا التعيين لأنه كان يعرف أن مبارك فعل ذلك كي يبعده عن رئاسة مجلس الشعب وأن يجمد نشاطة بشكل تام ، تلك المعلومة ربما علمت بها المحكمة برئاسة الدكتور المستشار وحيد محمود مما دفع القاضي المحقق أن يرسل لرئاسة الجمهورية يستفسر بشكل رسمي عن المعلومة وكان من الطبيعي بعد مقتل المحجوب أن تكون الاجابة بالنفي، كي يحرم الرجل من الشرف التاريخي حتي بعد موته.
العائلة تشهد أيضا أن المحجوب نادي علي ابنه الذي اصبح حاليا الدكتور ايمن رفعت المحجوب الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة وطلب منه عدم التداخل مرة ثانية في الخط، لكن أيمن لم يكن حتي جانب التليفون ونادت شقيقته سهير عليه في المكتب وقالت له: «مفيش يا حبيبي حد جنب التليفون»، وعندها تأكد المحجوب من الذي يحدث حوله خاصة أن تليفونات المنزل الثلاثة كانت قد بدأت تشهد أحداثاً غريبة خاصة عقب الواقعة الشهيرة التي ضرب فيها وزير الداخلية الأسبق زكي بدر أمام المحجوب في الجلسة الشهيرة في 20 فبراير 1989 حيث ضحك المحجوب كثيرا بعدها مع أنه وقع قرار فصل النائب عن حزب الوفد طلعت رسلان وهو ما أثار غضب بدر فبدأت المضايقات بالتنصت علي تليفونات المحجوب وأسرته.
معلومات وبيانات أمنية كشفتها محاكمة قضية اغتيال المحجوب أهمها تلك التي كشفت عن إهمال جسيم ومتعمد في تأمين الرجل بالرغم من وجود تحذيرات ومعلومات بوجود تخطيط لاغتيالات سياسية فقد شهد أمين الشرطة إيهاب السيد نافع في شهادته عقب شفائه من الطلقات عدم رؤية الحرس والسائق لما حدث خلف السيارة التي كانت تقل «المحجوب» وأن جهاز الأمن لم يراع شراء مرايات جانبية بدلا من التي أتلفت بالرغم من طلب المحجوب ذلك ويوم الحادثة لم يستطيعوا مراقبة الطريق لحماية الرجل الثاني في مصر سياسيا.
أما الرقيب أول عبد المعطي محمد عبد اللطيف الحضري من إدارة المرور فقد شهد لأنه من يستقبل الإشارات المهمة بإدارة المرور أنهم يومها لم يتلقوا علي غير العادة إشارة خط سير موكب رئيس مجلس الشعب وهو ما علق عليه المحامي الشهير أحمد نبيل الهلالي بالمحكمة ساخرا بقوله: «يبدو أنهم كانوا قافلين يوم الجمعة».
فيما أكد السيد حسام الدين طلعت السادات مدير العلاقات العامة بفندق المريديان في شهادته أنه علي غير الطبيعي لم تخطر إدارة الفندق ذلك اليوم بقدوم المحجوب رئيس مجلس الشعب وكأن هناك من كان علي علم بأن المحجوب لن يصل للفندق في جاردن سيتي أبدا وهو ما حدث فعلا.
أما شهادة أمين الشرطة قائد موتوسيكل التشريفات الذي كان يسير أمام موكب المحجوب فكانت أغرب حيث قال إنه كان بينه وبين الموكب 100 متر وقد شاهد الاغتيال ولم يتدخل وهو المسلح بمجرد طبنجة حلوان 9 ملليمتر ، وكانت شهادة أمين الشرطة راكب الموتوسيكل الخلفي ويدعي أحمد إسماعيل أعجب فكان بينه وبين الجاني متر واحد ولم يطلق طلقة واحدة لإنقاذ رفعت المحجوب. في الوقت الذي كان يجلس فيه الحارس عبدالمعطي عبداللطيف المسلح بسلاح آلي خلف السائق فقد ضرب طلقتين في الهواء وكان الملازم حاتم حمدي الذي شاهد الجاني قد ضرب طلقة واحدة في الهواء. معلومة أخري مهمة يمكن أن تكشف لنا دون تجن حقائق أخري خطيرة فتشهد المستندات علي أن قرارا من الرئاسة أدي لإبعاد كل طاقم الحراسة القديم والوفي للدكتور رفعت المحجوب وذلك في 1 فبراير 1990 وهي المعلومة التي كشف عنها اللواء خيري راغب عبد الرحمن زاهر مدير الشئون الإدارية لشرطة الحراسات الخاصة في أقواله بالقضية، حيث قرر أنهم نقلوا الطاقم القديم للأمانة العامة لمجلس الشعب.
ولقد وصلت عربة المحجوب في اتجاه الكورنيش في طريقها إلي فندق المريديان، حيث كان سيقابل وفدا سوريا اتضح في التحقيقات أنه لم يكن علي علم بأن المحجوب في طريقه للقائه، حيث خرج من الجهة المعاكسة 4 شبان لا يزيد عمر الواحد منهم علي 25 عاما يستقلون دراجتين بخاريتين في أول عملية اغتيال من نوعها فنيا منذ تولي حسني مبارك الرئاسة.
وحاصر الجناة موكب المحجوب وفي ثوان انهمرت الطلقات من أسلحة الكلاشينكوف الروسي الصنع لتقتل بلا رحمة ودون أن تمنح الموكب فرصة الدفاع عن نفسه وبالاحتراف التنفيذي غير المسبوق لم يتمكن أحد من اللحاق بالجناه الذين ركبوا الدراجتين وهربوا في الاتجاه المعاكس ناحية فندق هيلتون، ويسوق القدر ضحية أخري كان قدرها أن تحسب بين أعداد قتلي تلك العملية الغريبة هو العميد عادل سليم بمباحث القاهرة الذي تلقي بلاغا بغرق أحد الشباب في النيل فذهب للتحقق من البلاغ مع الملازم أول حاتم حمدي وفي الطريق سمع الطلقات وشاهد الرعب علي المارة فهرع لمطاردة الجناه ليلحق بإحدي الدراجات أمام هيلتون لكنه قبل أن يجذب أجزاء مسدسه الميري كان الجاني الجالس في الخلف يفرغ خزينة كاملة فيه ومن معه بعدها يختفي الجناة في حواري الحي الشعبي لمنطقة ماسبيرو وتنقلب الدنيا في مصر فقد سقط مجلس الشعب، أما اللواء محمد عبدالحليم موسي خامس وزير داخلية في عهد مبارك فقد وقف في مؤتمر صحفي متلعثما لا يدري أحد ماذا ألم به وهو يصف الوفد السوري الذي كان من المفترض أن يقابله المحجوب بالوفد الكوري.
شاهد آخر يدعي مورو محمد فهمي كان يقف بالقرب من فندق سميراميس قال إن الجناة ملامحهم غير مصرية، أما صلاح إسماعيل الموظف بفندق هيلتون فشهد أن المتهم الهارب لهجته شامية في حين نشرت مجلة المصور وصفا تخيليا للجناة تبدو ملامحهم خليجية أو فارسية بينما أفاد مصدر أمني أن الجريمة قادمة من الخارج أما وزير الداخلية فشهد في المحكمة أن القتله كانوا أجانب وليسوا مصريين ويرجح أنهم عرب.
أما القاضي وحيد محمود إبراهيم: تشكك في تحريات وتحقيقات كل الجهات ولم تطمئن المحكمة لسلامة شهادة زوجات المتهمين ال27 الذين ساقتهم السلطات المعنية للمحاكمة بدعوي أنهم الجناة فيصدر في 10 يونيو 1993 بعد 100 جلسة عاصفة بدأت أولاها في 10 يونيو 1991 حكمه المطمئن ببراءة 17 متهما وسجن عشرة آخرين بتهم ليست لها علاقة نهائيا بالجريمة الأصلية لاغتيال المحجوب ليظل سر اغتياله معلقا حتي اليوم ويظل رئيس مجلس الشعب الذي لم تعرف مصر من قتله أو من وقف وراء عملية الاغتيال في واقعة نوعا ما تعد غير مقبولة في نظام كان لا ينام إلا بعد أن يتنصت علي الجميع ويعرف أسرارهم إلا في واقعة المحجوب لم يهتم مبارك بمعرفة القاتل أو بالأصح كان يعرف القاتل.
تفاصيل مثيرة وغريبة صاحبت عملية اغتيال المحجوب أكدها الدكتور المستشار وحيد محمود قاضي المحكمة الذي شهد بأنه حتي اليوم مثلنا لا يعلم من قتل رئيس مجلس الشعب الأسبق الذي قال عنه جلال أمين جملة معبرة عما حدث له وهي «المحجوب قتله ذكاؤه».

نشر فى روزاليوسف اليومية : 30 - 06 - 2011

الأسلحة الفاسدة و أكاذيب العملاء

ياسر بكر
شهادات شهود من أهلها ، وأهلها نفر من الذى روجوا للكذبة من ضباط انقلاب 23 يوليو 1952 : يقول اللواء محمد نجيب فى كتابه " كلمتى للتاريخ "صـ 20 : ( أنا لا أريد أن أنزلق مثل الكثيرين إلى تعليق عدم انتصارنا فى حرب فلسطين على مشجب الأسلحة الفاسدة، وهى القضية التى استخدمت للدعاية ضد النظام القائم حينذاك ، ولكنها انتهت بالبراءة فى عهد الثورة . )

الأغرب من هذا ، أنه لم يرد فى اليوميات التي كتبها جمال عبد الناصر بخط يده فى أثناء حرب فلسطين عن المدة من سنة 1948 حتى نهاية سنة 1949 جملة واحدة عن الأسلحة الفاسدة ، تلك اليوميات التى احتفظ بها الأستاذ محمد حسنين هيكل لمدة 55 عاما ،ة والتى نشرتها جريدة العربى الناصرى بعنوان :" دفتر يوميات عبد الناصر".
ويؤكد محمد نجيب فى كتابه " كنت رئيسأ لمصر " : ( فى خلال شهور الحرب لم يلفت جمال عبد الناصر انتباهى . لكنى أتذكر أنه كان يحب الظهور ويحب أن يضع نفسه فى الصفوف الأولى والدليل على ذلك ما حدث فى الفالوجا . كنا نلتقط صورة تذكارية فى الفالوجا ، ففوجئت بضابط صغير ، يحاول أن يقف فى الصف الأول مع القواد ، وكان هذا الضابط جمال عبد الناصر ، ولكنى نهرته وطلبت منه أن يعود لمكانه الطبيعى فى الخلف . وعرفت عنه ، بعد ذلك ، أنه لم يحارب فى عراق المنشية ، كما أدعى ، ولكنه ظل طوال المعركة فى خندقه لا يتحرك .. وفى الحقيقة كان الجنود السودانيون هم الذين حاربوا فى هذا المكان ونجحوا فى الاستيلاء على 13 دبابة من اليهود .. والمعروف أن السودانيين مغرمون بكتابة الشعر .. وقد سجل بعضهم تفاصيل القتال الذى دار فى عراق المنشية فى قصائد طويلة ، وصفوا فيها عبد الناصر وصفاً غير لائق بضابط مصرى
وفى أثناء الهدنة مع اليهود ، جاء ضابط يهودى اسمة كوهين يسأل عنه ..ولم يكن موجودا .. فكتب له خطاباً وتركه مع ضابط من الأخوان اسمه معروف الحضرى .
ولم أعرف ما فى الخطاب ، لأن أخلاقنا لم تكن تسمح بقراءته .
وفى الحقيقة، لم أعر مثل هذه الأمور اهتماماً ، فى ذلك الوقت ، وكان هذا خطأ كبير من أخطائى ، التى أعترف بها .. لكنه اعتراف بعد فوات الأوان . )

وقد أكد إيجال يادين نائب رئيس وزراء إسرائيل صدق ما قاله اللواء محمد نجيب على مائدة المفاوضات أثناء زيارة السادات للقدس عام 1977 بقوله :

( حينما كان الصاغ جمال عبد الناصر رئيس أركان حرب الكتيبة السادسة مشاة ضمن القوات المحاصرة في بلدة عراق المنشية قطاع الفالوجا ، كان يتحدث عبر خطوط الجبهة مع اليهود المحاصرين للفالوجا ، وأن إيجال يادين الذي كان رئيساً لأركان حرب جنوب فلسطين فى ذلك الوقت كان يرسل إليه هدايا البرتقال والشيكولاتة !! )

وقد برر الأستاذ محمد حسنين هيكل اتصال عبد الناصر باليهود فى الفالوجة بتفسير يدعو إلى السخرية أكثر منه إلى الدهشة والعجب ، وخاصة أنه لا ينطلى على طفل صغير ، ويحيط شخص عبد الناصر بشبهات كثيرة بقوله :

( .. وجاء ثمة عامل مؤثر آخر أثر تأثيراً عميقاً فى حياته سنة 1948 عندما شاءت له أقداره أن يكون أحد اللذين حاصرهم الإسرائيليون فى الفالوجة والذين قاتلوا برغم ذلك ببسالة وواصلوا القتال رافضين الاستسلام .وكان خلال ذلك يتحدث عبر خطوط الجبهة مع الإسرائيليين المحاصرين للفالوجة ، وكان الحديث يدور حول الكيفية التى أجبر بها اليهود بريطانيا على التخلى عن انتدابها على فلسطين . )

ويؤكد اللواء أ .ح جمال حماد متعه الله بالعافية وطول العمر على صحة تلك الشهادات فى الحلقات الخمسة عشرة التى نشرتها مجلة " أخر ساعة "بعنوان : "الحقيقة فى قصة الأسلحة الفاسدة " ، والتى بدأت المجلة نشر أولى حلقاتها فى عدد 28 / 3 /2001 ، وأكده فى حديثه لجريدة الأهرام اليومى بتاريخ 11 ديسمبر 2009 :



( بصراحة شديدة حجم الدعاية في قضية الأسلحة الفاسدة لا يقل عن 60% وقد روجت السينما لهذه القضية طويلا. وكل ما في الأمر أن المدافع التي قيل إنها كانت ترتد لصدور جنودنا كانت تنفجر نتيجة لسخونتها. وكثافة استخدامها في ضرب النار وقلة التدريب ، فالمدفع الـ 25 رطلا من أفضل المدافع في العالم وهيأ النصر للانجليز في العلمين ولكن الذخائر التي استخدمت كانت فاسدة نتيجة للعوامل الجوية وحرارة الشمس ، أما الهزيمة فقد تحملتها مصر؛ لأنها مصر الرائدة والأخ الأكبر دائما. كان جيشنا أكبر جيش. أحد الجيوش السبعة كان يتكون من (1000مقاتل) يحاربون بالبنادق فقط ، وبلا خرائط !! ) .

.. يتفق مع اللواء جمال حماد فى الرأى أحمد حمروش أحد ضباط انقــلاب 23 يوليو 1952، فقد ذكر فى ( الجـزء الأول من كتابه قصة ثورة 23 يوليو ) :

" هكذا كانت قضية الأسلحة الفاسدة ، قضية دعاية أكثر منها قضية مخالفة للقانون... وقضية إثارة أكثر منها قضية اختلاس وسرقة .. والأقلام التى انجذبت إليها صورتها على أساس أنها قضية رئيسية فى هزيمة الجيش ، متجاوزة بذلك قضايا أخرى أطثر أهمية وأكثر نفاذاً فى التأثير على قدرة الجيش على القتال . "


.. ويقطع عبد اللطيف البغدادى فى شهادته بأسباب هزيمة الجيش فى حرب فلسطين والتى ضمنها عبد اللطيف البغدادى مذكراته التى نشرت بعنوان " مذكرات عبد اللطيف البغدادى "عن دار نشر المكتب المصرى الحديث فى عام 1977 ، وهى شهادة لها أهمية خاصة لسببين :

الأول : لكونها صادرة عن عبد اللطيف البغدادى رئيس " محكمة الثورة " التى حكمت على القائمقام عبد الغفار عثمان بالسجن 15 عاماً وتجريده من الرتبة العسكرية ومصادرة أمواله ، وأموال زوجتيه .
الثانى : وأن هذه الشهادة جاءت بخلاف ما نطق به من حكم الإدانة بحق عبد الغفار عثمان .

يقول البغدادى:



" ..وكان النقراشى باشا رئيساً للحكومة فى ذلك الحين ، وقد طلب من قادة الجيش المصرى الاشتراك فى المعركة الدائرة على ارض فلسطين ، واعتراض بعض القادة منهم لعدم استعداد الجيش المصرى بالأسلحة اللازمة والكافية لخوض هذه المعركة ، وهو نفسه كان يعرف هذه الحقيقة أيضا ، ولكنه تحت ضغوط الملك فاروق أصدر أمره للجيش بالتدخل " .



.. يعود البغدادى ليعترف صراحة عن أسباب الهزيمة ، وليس من بينها ثمة إشارة لأسلحة فاسدة أو قتلى من الجنود نتيجة لاستعمالها ، فيذكر على صفحتى 27 و 28 من الجزء الأول من نفس المذكرات:

".. ولكن الجيش المصرى كان فى أشد الحاجة للأسلحة والذخيرة ، ولم يكن يمكنه الحصول عليها إلا من السوق السوداء العالمية . وفى حدود ضيقة جداً ومن أصناف رديئة من مخلفات الحرب العالمية الثانية ، وكان قد سبق استخدامها وكان هناك ـ قرار من هيئة الأمم بحظر بيع السلاح للأطراف المتحاربة ـ ولكن رغم هذا القرار فقد أمكن لليهود الحصول على احتياجاتهم كاملة من السلاح من السوق الأوربية وخاصة من تشيكوسلوفاكيا . وتخللت تلك الحرب ثلاث هدنات وأوقف القتال فى كل هدنة ، وكان ذلك فى صالح اليهود لأنهم كانوا قادرين على شراء ما يلزمهم من الأسلحة والذخيرة بخلاف العرب . كما أنهم كانوا يعملون أيضاً على كسر قرار إيقاف القتال بغرض تحسين مواقعهم العسكرية والاستفادة بأراض جديدة يعملون على احتلالها عندما يكونون قادرين على ذلك " .




.. ويعترف د . ثروت عكاشة فى الجزء الأول من مذكراته بعنوان : "مذكرات في السياسة والثقافة" :


(إن ما قيل عن فساد الأسلحة والذخائر التي كانت في أيدي الجيش المصري ، حديث يتجاوز الحقيقة.)

.. ويقطع الصاغ حسين حمودة ( من ضباط انقلاب 23 يوليو ) فى شهادته التى ضمنها كتابه بعنوان " أسرارحركة الضباط الأحرار والإخوان المسلمين " :

( أنه لم يرسل إلى ميدان القتال بفلسطين سنة 1948 أية أسلحة فاسدة لأن السلاح كان يجرب فى مصر قبل إرساله إلى ميدان القتال ) .

شهادة أخرى على ملأ من الناس فى القاهرة، ففى يناير عام 1988 استضاف معرض القاهرة الدولى للكتاب ضمن فاعليات ندواته الفريق حافظ إسماعيل مستشار الأمن القومي السابق الذى شهد :

" أنه كان ضابطا في حرب فلسطين عام 1948 ، ولم تكن هناك بندقية واحدة فاسدة في أيدي الجيش المصرى " .


كل ما لدينا من وقائع وشهادات تؤكد أن كذبة سوداء مسماة بـ " الأسلحة الفاسدة" هي صورة صارخة ومثال زاعق لعملية الغش والتدليس في كتابة تاريخ الوطن والمساس بحرمته من أشخاص تحوطهم الشبهات ، وصحفى مخادع بنى مجده الصحفى على كذبة يدعى إحسان عبدالقدوس!! وأن هذا الدعىّ لم يسلم من بطش من مارس الكذب لحسابهم، فقد نشر مقالاً بعنوان : (الجمعية السرية التي تحكم مصر) أثناء أزمة مارس 1954 والاعتداء على الدكتور عبد الرزاق السنهورى، وترتب على المقال القبض عليه واعتقاله ودخوله السجن الحربى الذى لقى فيه من هوان الرجال ما يعجز القلم عن سطره ، ويعف اللسان من نطقه ، وبعد خروجه منه صباح يوم 31 يوليو .1954 ، وما أن وصل إلى بيته ، دق جرس التليفون يحمل إليه صوت جمال عبد الناصر شريكه فى كذبة " الأسلحة الفاسدة" ضاحكاً، وهو يقول له :

" هيه إتربيت ولا لسه يا إحسان، طيب تعال إفطر معايا ، ما تتأخرش أنا منتظرك" .

استقبله جمال عبدالناصر؛ تناولا الفطور معاً ، كان عبدالناصر ينظر إليه نظرات ذات مغزى يفهمه إحسان الذى منكسراً لا يقوى على ابتلاع طعامه، فى هذا اللقاء أفهمه عبد الناصر أن الزمن قد تغير، وألمّح له بأشياء أخرى(......) ، بعدها راح عبدالقدوس يكتب روايات الجنس والفراش مبتعدا عن السياسة .



.. الغريب فى الأمر أيضا أن مجرمى تزييف التاريخ مازالوا يصرون على الكذبة فى مناهج التعليم فى مصر !!

تهيسات بريطانية

دنشواي و الوزير البريطاني
Polini Odion


ذكر الكاتب الساخر البريطانى الشهير جورج برنارد شو (26 يوليو 1856 - 2 نوفمبر 1950 ) كيف أن السير ادوارد جراى وزير الخارجية البريطانى حينذاك وقف فى مجلس العموم البريطانى – بعد أن تلقى البرقية حول الأحكام فى مذبحة دانشواى عام 1906 – ليهيب بالمجلس فى تأثر ألا ينتقدوا هذه الأحكام اويستنكروها على أساس أن عبد النبى ومحفوظ ودرويش والباقين كانوا طليعة مؤامرة إسلامية هائلة – كذا – أعدت ضد العالم المسيحى باسم النبى محمد لطرد المسيحيين من أسيا وأفريقيا .
وصلت الإدعاءات الكاذبة مداها بالسير إدوارد جراى ، وزير الخارجية البريطانى حينئذ ، بقوله فى مجلس العموم ، إن هناك تطرفاً إسلامياً فى مصر ، ورجا النواب ألا ينشغلوا بالشؤون المصرية ن وألا يسببوا ارتباكاً للقوات البريطانية وهى تواجه خطراً يتهددها هناك
يقول التقرير الرسمى الإنجليزى :
أن "محمد عبدالنبى "، مؤذن القرية أشعل النار فى جرن القمح فى إشارة إلى اشتعال العالم الإسلامى كله بالثور عن طريق حركة عصيان تكاد تكون صورة هائلة من حركة العصيان الهندية
وأضاف تقرير "مجلس العموم" صور فلاحى المنوفية على أنهم طليعة مؤامرة إسلامية ضد الغرب .. واعتبر "حرق القمح" إشارة إلى اشتعال الثورة فى الوجود المسيحى فى مصر

خونة مشاهير



: د / ياسر ثابت يكتب
أشهر الخونة في تاريخ مصر : "مستر اتش"..وجلاد دنشواي
حملا لقباً واحداً..وسلكا الدرب نفسه: درب الخيانة
فأما الأول، فانتقل من معسكر المقاومة إلى معسكر موالاة الاحتلال، وباع رفاق الكفاح القدامى بأرخص الأثمان
والثاني، حمله المصريون على الأعناق.. لكنهم لم يغفروا له سقطته في دنشواي
ولنبدأ بالأول..محمد نجيب الهلباوي

والهلباوي هو أحد تسعة شبانٍ اعتقلتهم السلطات في حادث اغتيال الإنجليز..وهو أيضاً أحد اثنين من هؤلاء التسعة قدمتهما النيابة للمحاكمة، فحكمت عليه المحكمة العسكرية البريطانية –هو وزميله محمد شمس الدين- بالإعدام..إلا أن السلطان حسين كامل التمس من الإنجليز تخفيف الحكم، فاستبدلت به الأشغال الشاقة المؤبدة

ولكن من يصدق أن الهلباوي انتقل من معسكر الوطنية والفداء إلى معسكر الخيانة والغدر، فيعمل مرشداً وعميلاً لسلطات الاحتلال، ثم يبيع زملاء الجهاد بأبخس الأثمان حتى يسلمهم إلى حبال المشانق

عن محمد نجيب الهلباوي نقرأ ما كتبه جمال بدوي في كتابه "نظرات في تاريخ مصر" الذي يورد أن الهلباوي الذي اتُهِمَ بإلقاء قنبلةٍ على السلطان حسين في الإسكندرية في يوليو تموز عام 1915، أُفرِجَ عنه ضمن الفدائيين المحكوم عليهم في قضايا الاغتيالات السياسية بقرارٍ من وزارة الشعب الأولى برئاسة سعد زغلول. وفي اليوم التالي لإطلاق سراحه، ذهب الهلباوي طائعاً مختاراً إلى مبنى المخابرات البريطانية ليضع نفسه في خدمة الاحتلال، ويسخر خبرته السابقة ومعلوماته الغزيرة عن الأعمال الفدائية لتكون تحت أمر سلطات الاحتلال

وكان الإنجليز ف
ي شوقٍ شديدٍ لواحدٍ من هذا الطراز يكشف خبايا العمليات الجريئة التي قام بها الجهاز السري التابع لقيادة ثورة 1919وذهب ضحيتها العديد من الإنجليز وأعوانهم من الوزراء المصريين

ظل الإنجليز يبحثون عمن يرشدهم إلى أسرار هذا الجهاز الغامض، حتى ظهر محمد نجيب الهلباوي ليصبح عميلاً في جهاز المخابرات البريطانية تحت اسم "مستر اتش" ويتحول من بطلٍ يحمل روحه على كفه إلى خائنٍ مهمته ملاحقة إخوانه الفدائيين والاختلاط بهم ومعرفة أسرارهم ونقلها إلى العدو
رحب الإنج
ليز بالهلباوي واعتبروه مكسباً كبيراً وتركوه يملي عليهم شروطه للتعاون معهم، وهي شروطُ رخيصة الثمن، لا تزيد على راتبٍ شهري قدره 40 جنيهاً بخلاف المسكن والمأكل والمشرب. ويعترف الهلباوي في مذكراته المخطوطة التي أودعها عند الصحفي الكبير مصطفى أمين بأنه خرج من السجن فوجد بعض زملائه قد تقدموا عليه في الوظيفة..فهل يمكن الاقتناع بهذا السبب أو الذريعة لتبرير خيانته لوطنه؟

على أية حال، كان الهلباوي حريصاً على الاختلاط بدائرة الشبان الوطنيين وكان أعلاهم صوتاً وأشدهم حماسةً وسخطاً على الإنجليز..ثم ينقل أسرارهم وتفاصيل عملياتهم الفدائية لسلطات الاحتلال. وأسهم بهذه الطريقة في إلقاء القبض على الرجال الثمانية الذين خططوا لاغتيال السير لي ستاك سردار الجيش المصري وحاكم السودان العام في 19 نوفمبر تشرين ثانٍ عام 1924، ليقبض ثمن المكافأة التي رصدتها الحكومة له وقدرها 10 آلاف جنيه، ولينعم بالحياة التعسة على رقاب زملاء الكفاح القدامى
الهلباوي الآخر الذي يضمه الكثيرون إلى الخونة اسمه الكامل: إبراهيم الهلباوي
وبالرغم من أن الناس عرفوه كأحد أعظم المحامين الذين أنجبتهم مصر، فإن حياته تعد نموذجاً تقليدياً لقصة حياة البطل الذي يخطيء مرةً واحدةً فيهيل على تاريخه التراب، ويظل مثل سيزيف يكافح طوال ما تبقى من عمره –دون جدوى- للصعود بالصخرة إلى قمة الجبل، دون أن يغفر له أحدٌ خطيئته في حق الشعب
أحب شعب مصر آنذاك إبراهيم الهلباوي (1858-1940) الذي وصفه عباس محمود العقاد ذات مرةٍ بأنه "كان ذا ذلاقة لسانٍ لا تطيق نفسها ولا تريح صاحبها". وكان الهلباوي خطيباً مفوهاً وممثلاً رائعاً يمزج بين العربية الفصحى والعامية البسيطة ويتحرك بخفةٍ ورشاقة، يجبر المحكمة على سماعه ويجعل من يسمعه ويراه مشدوهاً بعبقرية هذا الرجل. قال عنه عبد العزيز البشري في "المرآة" إنه "شيخ يتزاحف على السبعين إن لم يكن قد اقتحمها فعلاً، عاش مدى عمره يحبه ناس أشد الحب ويبغضه ناس أشد البغض.. إلا أن هؤلاء وهؤلاء لا يسعهم جميعاً إلا التسليم بأنه رجل عبقري"

كان الهلباوي يقف في المحكمة فيهز مصر كلها بفضل حججه القانونية البارعة التي جعلته يدعى أعظم طلاب المرحمة، على حد وصف معاصريه..لكنه فشل في طلب الرحمة لنفسه من الشعب في حادثة دنشواي. وعلى امتداد 30 عاماً طويلة حاول أن يكفِرَ عن ذنب ارتكبه، لكن الشعب أصم أذنيه لأن الذنب كان من النوع الذي يصعب نسيانه وغفرانه

ففي يوم 20 يونيو حزيران عام 1906، أصدر بطرس باشا غالي ناروز وزير الحقانية بالنيابة قراراً بتشكيل المحكمة المخصوصة لمحاكمة المتهمين في حادثة دنشواي برئاسة بطرس باشا غالي نفسه، وعضوية كلٍ من "المستر" هبتر نائب المستشار القضائي، و"المستر" بوند وكيل محكمة الاستئناف الأهلية والقائمقام لهادلو القائم بأعمال المحاماة والقضاء بجيش الاحتلال، وأحمد فتحي زغلول بك (حمل لاحقاً لقب: باشا) رئيس محكمة مصر الابتدائية وأن يكون انعقادها في شبين الكوم يوم الأحد 24 يونيو حزيران
كان من المقرر أن يحضر إبراهيم الهلباوي التحقيق مع المتهمين الأبرياء في حادثة دنشواي يوم السبت الموافق 16 يونيو عام 1906 لكنه لم يحضر لعدم عثوره على وسيلة انتقال مباشرة إلى دنشواي ولارتفاع درجة الحرارة في ذلك اليوم
وعلى رصيف القطار في القاهرة، وجد الياور الخاص برئيس الوزراء مصطفى فهمي باشا يخبره بأن "الباشا" ينتظره في مكتبه لأمرٍ مهم. ثم التقى الهلباوي محمد محمود بك رئيس حزب الأحرار الدستوريين فيما بعد، وكان يعمل آنذاك سكرتيراً خاصاً لمستشار وزير الداخلية الإنجليزي "المستر" ميتشل، الذي سأله عما إذا كان أحد من المتهمين في حادثة دنشواي قد وكله للدفاع عنه..فلما نفى ذلك أخطره بأن الحكومة قد اختارته ليمثلها في إثبات التهمة ضد المتهمين أمام المحكمة المخصوصة، باعتباره من أكبر المحامين سناً وأقدمية
المفاجأة كانت في حسم الهلباوي تردده وقبوله المهمة، بل وتواضعه في تحديد أتعابه، فمع أنه –كما قال فيما بعد- "كان يتقاضى 500 جنيه في القضايا الكبرى، فإنه خفض أتعابه في هذه القضية، فقبِلَ أن يترافع فيها ب 300 جنيه فقط"

هذا هو الهلباوي..لا فارق لديه بين أن يدافع عن المتهم ليطالب بتبرئته، أو أن يكون المدعي العام الذي يثبت عليه الاتهام ليطالب بإعدامه
وهكذا استقبل الهلباوي في مكتبه "المستر" موبيرلي المفتش الإنجليزي لوزارة الداخلية لوزارة الداخلية و"المستر" مانسفيلد الحكمدار الإنجليزي لبوليس القاهرة اللذين أبلغاه أنهما مكلفان بأن يكونا في خدمته في كل ما يتعلق بقضية دنشواي، واقترحا عليه أن يحضر التحقيق وأن يشارك في استجواب المتهمين، لكنه اعتذر عن ذلك وفضلَ أن يزور مسرح الأحداث ليعاينه. وفيما بعد، قال الهلباوي – في معرض تبرير سقطته- إن قبوله القيام بدور المدعي العام قد مكَنه من صد المحاولات الإنجليزية التي استهدفت تضخيم الحادثة (مذكرات إبراهيم الهلباوي: تاريخ حياته، إبراهيم الهلباوي بك (1858-1940)، تحقيق عصام ضياء الدين؛ تقديم د. عبد العظيم رمضان)
ودنشواي هي قرية تقع في مركز الشهداء، شبين الكوم بمحافظة المنوفية
وتعود بدايات الحكاية إلى عام 1906 حين صدرت أوامر الحكومة في مصر إلى عُمد بعض البلاد بمساعدة فرقة تابعةٍ للاحتلال البريطاني آنذاك مكونة من خمسة جنود ممن كانوا يرغبون في صيد الحمام ببلدة دنشواي المشهورة بكثرة حمامها كما اعتادوا

وفي نهار صيفي عادي في يوم الأربعاء الموافق 13 يونيو حزيران كان هؤلاء الجنود الإنجليز بقيادة الميجور كوفين يتجولون بالقرب من القرية المنكوبة ومعهم الأومباشي زقزوق والترجمان عبد العال. و كانوا مغرمين بصيد الحمام فأقنع رجاله - وهم: الكابتن بول، الملازمان بورثر وسميث، الطبيب البيطري الملازم بوستك - بأن يتراهنوا لاصطياد الحمام من على أشجار دنشواي

وكان كوفين وبول وبوستك يطلقون الأعيرة لاصطياد الحمام بجوار الأشجار على جانبي الطريق الزراعي، ولكن تشاء الأقدار أن يتوغل بورثر وسميث داخل القرية حيث كان الحمام عند أجران الغلال يلتقط الحب. ويصوب بورثر بندقيته إلى جُرن الحمام الخاص بالشيخ محمد عبد النبي مؤذن البلدة، فتفقد زوجة الشيخ وعيها بعد أن أصابها عيار طائش

وتفيد المصادر المختلفة بأن مؤذن البلدة جاء يصيح بهم كي لا يحترق التبن في جُرنه، لكن أحد الضباط لم يفهم منه ما يقول وأطلق عياره فأخطأ الهدف وأصاب المرأة، وتدعى أم محمد. واشتعلت النار في التبن، فهجم الرجل على الضابط وأخذ يجذب البندقية وهو يستغيث بأهل البلد صارخاً "الخواجة قتل المرأة وحرق الجُرن، الخواجة قتل المرأة وحرق الجُرن"، فأقبل الأطفال والنسوة والرجال صائحين "قتلت المرأة وحرقت الجُرن"، وهرع بقية الضباط الإنجليز لإنقاذ صاحبهم

وفي هذا الوقت وصل الخفراء للنجدة كما قضت أوامرهم، فتوهم الضباط على النقيض بأنهم سيفتكون بهم فأطلقوا عليهم الأعيرة النارية وأصابوا بعضهم فصاح الجمع "قتل شيخ الخفر" وحملوا على الضباط بالطوب والعصي، فألقى الخفراء القبض عليهم وأخذوا منهم الأسلحة إلا اثنين منهم وهما "كابتن" الفرقة وطبيبها اللذين أخذا يعدوان تاركين ميدان الواقعة وقطعا نحو ثمانية كيلومترات في الحر الشديد حتى وصلوا إلى بلدة سرسنا، فوقع "الكابتن" بول مطروحاً على الأرض ومات بعد ذلك متأثراً بضربة شمس إثر عدوه لمسافة طويلة تحت أشعة الشمس
عندها تركه زميله الطبيب وأخذ يعدو حتى وصل إلى المعسكر، وصاح بالعساكر فركضوا إلى حيث يوجد الكابتن، فوجدوه وحوله بعض الأهالي، فلما رآهم الأهالي لاذوا بالفرار، فاقتفى العساكر أثرهم وألقوا القبض عليهم إلا أحدهم –ويدعى سيد أحمد سعيد - هرب قبل أن يشد وثاقه واختبأ في فجوة طاحونةٍ تحت الأرض فقتله الإنجليز شر قتلة

وقد نظم حافظ إبراهيم إثر حادثة دنشواي قصيدة يقول فيها:

أيها القائمون بالأمر فينا..هل نسيتم ولاءنا والودادا؟

خفّضوا جيشكم وناموا هنيئاً..وابتغوا صيدكم وجوبوا البلادا

وإذا أعوزتكم ذاتُ طوق ..بين تلك الربا فصيدوا العبادا

إنما نحن والحمام سواء..لم تغادر أطواقنا الأجيادا

وكان رد الفعل البريطاني قاسياً وسريعاً، فقد قدم 52 فلاحاً مصرياً للمحاكمة بتهمة القتل المتعمد

وهنا جاء دور الهلباوي في تلك المسرحية الهزلية

فقد استخدم الهلباوي دهاءه لتكييف واقعة اعتداء الفلاحين بالضرب على الضباط الإنجليز بحيث يثبت أن الحريق الذي

وقع في الجُرن نتيجة رصاص الضباط الإنجليز أثناء رحلة الصيد في دنشواي، هو حادثٌ تالٍ للاشتباك بين الفلاحين والضباط –وهذا لم يكن صحيحاً- بل زعم الهلباوي أن الضباط الإنجليز لم يكونوا أصلاً السبب في حدوث حريق الجُرن..وأشار إلى أنه حريقٌ متعمد اصطنعه الفلاحون ليخفوا أدلة سبق إصرارهم وتعمدهم التحرش بالضباط الإنجليز والاعتداء عليهم بالضرب
وهكذا تمكن الهلباوي من تبرئة الضباط الإنجليز من الأخطاء والجرائم التي ارتكبوها، في حين زاد من مسؤولية الفلاحين عن الحادثة. واتخذ الهلباوي من نجاح الفلاحين في إخماد النيران في الجُرن في غضون ربع ساعةٍ فقط دليلاً على أن الفلاحين هم الذين أطفأوا النيران بعد أن أشعلوها
ولم يبق في إثبات ركن سبق الإصرار على القتل والشروع فيه سوى إثبات أن فكرة القتل لم تكن عرضيةً وغنما كانت نيةً مبيتة
وصوّر الهلباوي الأمر أمام المحكمة وكأن الفلاحين رتبوا الأحداث بحيث صمموا على قتل الإنجليز إذا جاءوا للصيد في قريتهم. وكان الملازم بورثر قد ذكر أثناء إدلائه بأقواله أمام المحكمة أن المتهم التاسع عبد المطلب محفوظ قد حماه هو وزملاءه من العدوان عليهم، وقدم إليهم المياه ليشربوا، وهي شهادةٌ كانت كافية لتبرئته
وعندما جاء الدور على الشاهد فتح الله الشاذلي نجل عمدة دنشواي، ورد في أقواله هو الآخر أنه قد قدم الماء للضباط..فتنبه الهلباوي إلى نقطةٍ جزم بأنها فاتت على الملازم بورثر، ووقف ليقول إنه يلاحظ شبهاً كبيراً في الملامح بين المتهم عبد المطلب والشاهد فتح الله، وإنه يعتقد أن الأمر قد اختلط على الملازم بورثر..فاستدعت المحكمة الضابط الإنجليزي الذي حسم الامر، وقال إن الذي سقاه هو ابن العمدة وليس المتهم. وبذلك حرم الهلباوي المتهم التاسع من فرصته للنجاة من الحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة
وعلى هذا النهج يروي لنا صلاح عيسى في كتابه "حكايات من دفتر الوطن" كيف بذل إبراهيم الهلباوي جهداً ضخماً في تفنيد كل ما جاء في أقوال المتهمين والشهود ليهدم كل واقعةٍ يمكن أن تتخذ ذريعةً للتخفيف عن المتهمين الأبرياء في حادثة دنشواي، وليثبت للمحكمة أن الحادثة ارتكبت عمداً ومع سبق الإصرار، حتى يفوز بما كان قد اتفق عليه مع سلطات الاحتلال ويعطي المحكمة مبرراً للحكم بالإعدام على المتهمين
بل إنه فند التقارير الطبية التي قالت إن الضحية الوحيدة في الحادثة وهو الكابتن البريطاني بول، قد مات متأثراً بضربة شمس، وأكد أن موت بول بضربة شمس لا ينفي أن المتهمين هم الذين قتلوه لأنهم هم الذين ضربوه، وألجأوه إلى الجري تحت أشعة الشمس اللاهبة. أضف إلى ذلك أن الهلباوي اتهم المتهم البريء حسن محفوظ بأنه "لم يكدر قريةً بل كدر عاماً بأسرها بعد أن مضى علينا 25 عاماً ونحن مع المحتلين في إخلاصٍ واستقامة وأمانة.. أساء إلينا وإلى كل مصري..فاعتبروا صوتي صوت كل مصري حكيمٍ عاقل يعرف مستقبل أمته وبلاده"
وبذلك قتل الهلباوي شعبه كله بعد أن صدر الحكم بإعدام أربعة متهمين -هم: حسن علي محفوظ‏,‏ يوسف حسني سليم‏,‏ السيد عيسى سالم ومحمد درويش زهران-‏ والجلد‏50‏ جلدة على 12 متهماً، والأشغال الشاقة لباقي المتهمين

وفي الثانية من ظهر يوم ‏28‏ يونيو حزيران جرى تنفيذ تلك الأحكام الجائرة، بعد محاكمةٍ استمرت بضعة أيام فقط وأمام أعين الأهالي. وتقول جريدة المقطم" يوم ‏18‏ يونيو حزيران عام ‏1906‏ إن المشانق أعدت داخل القرية قبل التحقيق‏
وقال أمير الشعراء أحمد شوقي بعد مرور عام على حادثة دنشواي:
يا دنشواي على رباك سلام..ذهبت بأنس ربوعك الأيام
كيف الأرامل فيك بعد رجالها..وبأي حال أصبح الأيتام
عشرون بيتاً أقفرت وانتابها..بعد البشاشة وحشةٌ وظلام
نوحي حمائم دنشواي وروّعي..شعباً بوادي النيل ليس ينام
السوط يعمل والمشانق أربع..متوحدات والجنود قيام
والمستشار إلى الفظائع ناظر..تدمى جلود حوله وعظام
وعلى وجوه الثاكلين كآبة..وعلى وجوه الثاكلات رغام
وعن جدارةٍ استحق الهلباوي لقب "جلاد دنشواي" الذي أطلقه عليه الشيخ عبد العزيز جاويش

وهجاه الشاعر حافظ ابراهيم في قصيدة قال فيها:
أيها المدعي العمومي مهلا بعض هذا فقد بلغت المرادا
قد ضمنا لك القضاء بمصر وضمنا لنجلك الإسعادا
فإذا ما جلست للحكم فاذكر عهد مصر فقد شفيت الفؤادا
لا جرى النيل في نواحيك يا مصر ولا جادك الحيا حيث جادا
أنت أنبت ذلك النبت يا مصر فأضحى عليك شوكا فتادا
أنت أنبت ناعقاً قام بالأمس فأدمى القلوب والأكبادا
أيا مدرة القضاء ويا من ساد في غفلة الزمان وشادا
أنت جلادنا فلا تنس أنا لبسنا على يديك الحدادا

عاش الهلباوي 34 عاماً بعد تلك المأساة، ذاق أثناءها الذل والهوان من المصريين الذين لم ينسوا له دوره في تلك المحاكمة، بالرغم من محاولته التكفير عن ذلك، وحورب حرباً شديدة من الناس وخصومه وأصدقائه،و طارده لقب  جلاد دنشواي" في كل مكان. وكانت له كلمته الشهيرة: "ما أتعس حظ المحامي وما أشقاه.. يعرض نفسه لعداء كل شخص يدافع ضده لمصلحة موكله فإذا كسب قضية موكله، أمسى عدواً لخصمه دون أن ينال صداقة موكله"

لكن إبراهيم الهلباوي لم يكن الخائن الوحيد لمصر في حادثة دنشواي، فقد كان هناك اثنان آخران أولهما بطرس باشا غالي (1846-20 فبراير شباط 1910) وزير الحقانية بالنيابة آنذاك الذي ترأس المحكمة. أما نهاية هذا الرجل فكانت على يد صيدلاني يدعى إبراهيم الورداني، اغتال بطرس غالي أمام وزارة الحقانية في الساعة الواحدة ظهراً يوم (11 من صفر 1328 هـ=20 فبراير 1910)، حيث أطلق عليه الورداني ست رصاصات أصابت اثنتان منها رقبته. وكان اغتيال بطرس غالي هو أول جريمة اغتيال في مصر الحديثة
أما الثاني فهو أحمد فتحي زغلول ( فبراير شباط 1863- 27 مارس آذار 1914) عضو المحكمة ورئيس محكمة مصر الابتدائية الذي كتب حيثيات الحكم بخط يده. ولم يغفر له أحد ما فعله في دنشواي..لم يغفر له أن الشقيق الأصغر لزعيم الأمة سعد زغلول، حتى أن ذكراه كانت تمر بعد ذلك وسعد زعيم الامة المحبوب، فلا يجسر أحدٌ على الإشارة إليها

بل إن خصوم سعد زغلول كانوا يشيرون إلى شقيقه أحمد فتحي كدليلٍ على عدم وطنية الأول

وحدث في العام التالي مباشرةً لمأساة دنشواي، أي في عام 1907، أن تمت ترقية أحمد فتحي زغلول إلى منصب وكيل وزارة الحقانية، وأقام له بعض الموظفين حفل تكريمٍ في فندق "شبرد"، وطالبوا أحمد شوقي بالاشتراك في الحفل بقصيدة، فأرسل إليهم ما أرادوا في مظروفٍ..وفتحته لجنة الاحتفال في الموعد المحدد، فوجدت به أبياتاً تقول:
إذا ما جمعتم أمركم وهممتموا..بتقديم شيءٍ للوكيل ثمين
خذوا حبال مشنوقٍ بغير جريرةٍ..وسروال مجلودٍ، وقيد سجين
ولا تعرضوا شعري عليه، فحسبه..من الشعر حكمٌ خطه بيمين
ولا تقرأوه في "شبرد" بل اقرأوا..على ملأٍ في دنشواي حزين

وكانت لطمةً قويةً..وأنقذ أحمد فتحي زغلول نفسه، فغادر الدنيا بعدها بسنواتٍ قلائل، إذ مات في عام 1914 وهو وكيلٌ لوزارة العدل


الأربعاء، 9 أغسطس 2017

سبحان الله

انجيل يوحنا 8 : 40 وَلَكِنَّكُمُ الآنَ تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي وَأَنَا إِنْسَانٌ قَدْ كَلَّمَكُمْ بِالْحَقِّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ